الشيخ عبد الغني النابلسي

5

ديوان الحقائق ومجموع الرقائق

[ مقدمة المؤلف : ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما ، الحمد للّه الذي فتح خزائن الإمكان بمفاتيح الكرم والامتنان وأظهر سرّه المكنون بين الكاف والنون ، إنما أمره لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون . كشف عن وجهه المتعال بتجليات الجلال والجمال ، واحتجب بأستار النقصان وظهر بأسرار الكمال ، ونشر دواوين الإحسان بما طواه في بدائع خلق الإنسان ، وتحلّى بملابس الأسماء القدسية وتجلّى على أصحاب القلوب الإنسية ، فهاموا في جماله المطلق المقيد وتأيّدوا بتحقيق حقيقة روحه المؤيد . خرجوا عن صور الحسّ والخيال وانحلّوا عن عقال العقل والوهم وانفلتوا من هذه الأغلال ، وكسروا مكبال المكان والزمان ونفذوا من أقطار السماوات والأرض على كل حال ، ودخلوا بالعناية الأزلية تحت سرادق الجلال ليحتموا بحماية الشجرة المباركة الذاتية التي هي لا شرقية ولا غربية من جناية ما تحتها من الظلال ، وقد توقّدت مصابيح قلوبهم ، بأشعة أنوار محبوبهم ، فنالوا غاية مطلوبهم ومرغوبهم ، وراقت لهم بيد ساقيهم كؤوس مشروبهم ، وامتلؤوا من المعارف بطونا وظهورا ، وسقاهم ربّهم شرابا طهورا ، فسبحان من لا هو إلا هو ، وتبارك الذي تحيّرت العقلاء في معرفته وافترقوا وتاهوا ، وهدى إليه قوما بضلالهم فيه قد أفلح المؤمنون ، فجعل جهلهم علما به وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] ، وكان سمعهم وبصرهم فبه يسمعون ، وبه يبصرون ، فيا أيها المعتمدون على التصوّرات والتصديقات ، في معرفة ربّ الأرض والسماوات ، إلى متى تعبدون ولد العقول ، مع علمكم بمقتضى النقول أنه لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 3 و 4 ] وحتى متى تجعلونه نتيجة الأدلة الفكرية ، والبراهين العقلية في جيدكم حبل من مسد « 1 » ، قال اللّه تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] انتقلتم فيه من معنى إلى

--> ( 1 ) المسد : الحبل المضفور المحكم الفتل من ليف أو من غيره . ( ج ) مساد ، وأمساد .